بقلم الدكتور رامي عثمان

أفضل ثلاث لاعبين في تاريخ اللعبة ؟
وخير دليل علي تميز أمريكا الجنوبية في اللعبة الأكثر شعبية في العالم .. هو وجود أفضل ثلاث لاعبين في تاريخ الكرة من نفس هذه القارة (ميسي_ مارادونا_ بيليه) والقائمة تطول لعدد من اللاعبين هم الأفضل مثل نيمار وسواريز رونالدينهو، والظاهرة رونالدو، كاكا، ريفالدو، باتيستوتا وداني الفيس وغيرهم الكثير

في أمريكا الجنوبيّة، لم تكن كرة القدم مجرد لعبة تُلعب في 90 دقيقة، بل كانت وطناً بديلاً حين خان الوطن أبناءه.

هناك، حيث سقطت الدول واحدة تلو الأخرى تحت وطأة الانقلابات، وحكم العسكر، والحروب الأهليّة، والفقر، والخوف، لم يجد الناس ما ينتمون إليه. الأعلام لم تعد تعني شيئاً، والخطب الوطنيّة فقدت صدقها، فبحثت الشعوب عن شيء آخر… شيء يُشبهها، يُشبه وجعها، ويمنحها سبباً لتقول: نحن هنا.

فوجدت كرة القدم.

لم يكن المشجع يقول: اليوم سيلعب الفريق، بل كان يقولها ببساطة وكأنه يتحدث عن نفسه:
اليوم سنلعب نحن.
نحن من سنسجل، نحن من سنخسر، ونحن من سنبكي أو نحتفل.

إدواردو غاليانو، الكاتب الأوروغوياني الذي فهم كرة القدم أكثر من كثير من السياسيين، قال مرة إن المشجع يذوب في فريقه حتى تختفي المسافة بينه وبين القميص. يصبح النادي هو الاسم، والهوية، والعائلة.

في تشيلي، حاول الديكتاتور أوغستو بينوشيه أن يفرض نفسه على الناس، فعيّن نفسه رئيساً لنادي كولو كولو. ظن أن القميص سيمنحه ما لم تمنحه السلطة. لكنه لم يفهم درس كرة القدم:
الانتماء لا يُفرض… يُعاش.

وهكذا، صار الانتماء للفريق أسهل من الانتماء للوطن.

في أحياء بوينس آيرس، وريو دي جانيرو، وميديين، لم يكن الأطفال يحلمون بالوظائف أو المناصب. كانوا يحلمون فقط بالكرة. كرة مهترئة، تُلعب بين حجارة الشارع، وتحت شرفات متهالكة. هناك، تعلموا كرة القدم كما تُولد: بلا خطط، بلا تعقيد، بلا أوامر. فقط موهبة، خيال، وحرية.

لكن الحب في أمريكا اللاتينية لا يعرف الوسطية.

إما أن يكون ناراً… أو لا يكون.

في عام 1994، أخطأ أندريس إسكوبار طريق الكرة، فسكنت شباك فريقه. لم يكن يعلم أن ذلك الهدف سيطارده خارج الملعب. عاد إلى كولومبيا، فوجد الرصاص بانتظاره.
واحد وعشرون طلقة أنهت حياة لاعب، فقط لأنه أحب بلاده أكثر مما يحتملون.

وفي الأرجنتين، حين يلعب بوكا جونيورز ضد ريفر بليت، تتوقف المدينة عن التنفس. ليس ديربي، بل معركة هوية. جماهير بالآلاف قبل المباراة وبعدها. صراخ، دموع، أحياناً دم. كرة القدم هناك لا تُشاهَد… تُعاش حتى آخر قطرة.

ورغم كل هذا الجنون، أو بسببه، صنعت أمريكا الجنوبية تاريخاً لا يُكذَّب:
البرازيل خمس مرات بطلة للعالم.
الأرجنتين ثلاث مرات.
الأوروغواي مرتان، إحداهما كانت البداية.
عشرة كؤوس من أصل اثنتين وعشرين… لقارة لم تخترع اللعبة، لكنها أعطتها روحها.

كرة القدم كانت طريق الهروب من العنف، من المخدرات، من الشوارع التي لا ترحم. كانت الحلم الوحيد الممكن. من نجا، عبرها إلى أوروبا، حمل معه الشوارع، والحكايات، والمهارة، والجنون الجميل.

وفي أمريكا الجنوبية، حتى اليوم، حين يخذلك الوطن…
تبقى كرة القدم آخر ما لا يخون.